روايات وقصص

جارتى الجديده لنور محمد

كان ماسك في إيده شريط قياس حديدي، وبيشاور للمقاول على الخط اللي أنا لسه مطلع منه البيض من شوية:

“احفر هنا يا معلم.. انزل مترين ونص.. متوقفش حفر إلا لما توصل لطبقة الخرسانة القديمة بتاعة الخزان المهجور!”

المقاول بصله باستغراب وقال:

“يا أستاذ، مترين ونص كتير أوي على سور مباني! كده هندخل في مواسير الصرف العمومية وممكن نضرب أساسات البيت الأرضي بتاع المدام اللي جنبكوا، ده خطر ومحتاج ترخيص حي!”

جوز نجلاء طلع من جيب الجاكيت رزمة فلوس ملفوفة في كيس أسود، وحطها في إيد المقاول وضغط على صوابعه بقوة:

“ملكش دعوة بالحي ولا بالأساسات.. الفلوس دي تخلص الحفر قبل العصر، وترموا خرسانة سريعة الشك وتقفلوا السور قبل ما الليل يدخل.. مفهوم؟!”

المقاول بص للفلوس وعينيه لمعت، وهز راسه بسرعة:

“مفهوم يا باشا.. على خيرة الله! شدوا حيلكوا يا رجالة، انزلوا بالفؤوس هنا!”

بدأ العمال يضربوا في الأرض.. وكل ضربة فأس في التراب كانت بتنزل في قلبي أنا.

كنت عارفة إنهم لو حفروا ووصلوا للخزان المهجور ورموا خرسانة، كل حاجة هتتدفن للأبد.. وممكن جداً أكون أنا الضحية الجاية عشان أقفل فمي وميتبقاش شاهد واحد على اللي بيحصل!

طلعت موبايلي بسرعة.. فتحت لوحة المفاتيح عشان أطلب شرطة النجدة: “122”.

حطيت الموبايل على ودني، مستنية الرنة..

بس الخط مجمعش!

بصيت في الشاشة.. لقيت مفيش شبكة إطلاقاً! علامة “لا توجد خدمة” ظاهرة بشكل غريب!

جربت افتح الواي فاي.. لقيته فاصل! كأن في جهاز تشويش اشتغل فجأة وقطع كل الاتصالات عن البيت كله!

جريت على تليفون الأرضي القديم اللي في الصالة، رفعت السماعة عشان أطلب منه.. لقيت الحرارة مقطوعة، وسلك التليفون اللي داخل من المنور كان مقطوع بآلة حادة ومرمي على الأرض!

الرعب شل حركتي.. أنا محاصرة! هما عزلوني عن العالم الخارجي تماماً!

الساعات كانت بتمر زي الكابوس البطيء.

صوت الحفر كان مستمر، والأرض كانت بتتهز تحت رجلي مع كل ضربة هيلتي.

كنت مستخبية ورا ستارة الشباك، مراقبة الحفرة اللي كانت بتكبر وتتحول لخندق عميق، زي خنادق الحرب.. خندق فاصل بين بيتي وبينهم طوله حوالي 15 متر وعمقه غويط جداً.

الساعة بقت حوالي 4 العصر.. فجأة، صوت التكسير وقف.

سمعت صرخة واحد من العمال طالعة من قاع الحفرة:

“يا أسطى! الحق يا أسطى بدوي! الفأس خبط في حاجة غريبة هنا!”

جري المقاول وجوز نجلاء ونجلاء على حافة الحفرة، وبصوا لتحت.

العامل طلع من الحفرة وهو وشه مصفر وبيرتعش، وماسك في إيده كيس بلاستيك أسود كبير مقطوع، طالع منه قماش كفن قديم ومتآكل، وريحة عفونة ضربت في الجو خلت العمال الباقيين يرجعوا لورا ويكحوا بقرف!

المقاول رجع خطوتين وهو مخضوض:

“إيه ده يا بيه؟! دي.. دي جثة مدفونة هنا ولا إيه؟! احنا كده هندخل في سين وجيم، أنا هوقف شغل وأبلغ القسم فوراً!”

وقبل ما المقاول يكمل جملته، جوز نجلاء اتحرك بحركة أسرع من البرق.

طلع من وسطه مسدس قصير مركب عليه كاتم صوت، وضربه طلقتين في صدره في ثانية واحدة!

المقاول وقع مكانه، دمه سال على التراب ونزل في الحفرة من غير ما يطلع منه صوت غير شهقة مكتومة!

العمال التلاتة صرخوا واتسمروا مكانهم من الرعب، وكانوا لسه هيجروا في اتجاه البوابة، بس جوز نجلاء ونجلاء كانوا سادين الممر.

جوز نجلاء رفع المسدس وشاورلهم ببرود أعصاب يخوف:

“اللي هيتحرك خطوة واحدة هينام جنب المعلم بتاعه في الحفرة.. انزلوا انتوا التلاتة تحت، شيلوا الكفن والصندوق الحديدي اللي تحته وارفعوهم هنا.. وإلا قسماً بالله هفرغ الخزنة دي في دماغكم واحد ورا التاني!”

العمال نزلوا على ركبهم بيترجوه وبيعيطوا، ونزلوا في الحفرة برعب ينفذوا أوامره.

أنا من ورا الشباك، المشهد ده خلاني أفقد توازني تماماً. شفت جريمة قتل قدام عيني في وضح النهار!

رجعت لورا وزحفت على بطني في الصالة.. كنت عارفة إن بمجرد ما يخلصوا من العمال وهيطلعوا الحاجة اللي في الحفرة، الدور هيبقى عليا أنا! هيدخلوا الشقة دي يخلصوا عليا ويرموني في نفس الخندق ويصبوا علينا الخرسانة مع المقاول!

لازم أهرب.. لازم أطلع من باب الشقة الرئيسي على الشارع!

زحفت لحد باب الشقة، وقفت بحذر، حطيت المفتاح في الكالون ولفيته بالراحة جداً عشان ميعملش صوت تكة.. الباب اتفتح ميلة صغيرة.

بصيت من الفتحة على مدخل العمارة عشان أتأكد إن الطريق فاضي..

وفجأة، لقيت ظل ضخم واقف سادد الباب من برة!

رفعت راسي ببطء..

كانت نجلاء!

واقفة قدام باب شقتي، لابسة الجوانتي الطبي اللي كانت بتدفن بيه البيض، وماسكة في إيدها الإبرة الطويلة الحديد، والدم بينقط من إيدها التانية!

ابتسمتلي ابتسامتها المرعبة وقالتلي بصوت واطي:

“رايحة فين يا باشمهندسة من غير ما تشهدي على فتح الصندوق؟ ده أنتي صاحبة البيت.. ومنصور الله يرحمه كان سايبلك أمانة مخصوص تحت الأرض، مكنش ينفع نسيبك تمشي قبل ما تستلميها بنفسك!”

وقبل ما ألحق أصرخ أو أرزع الباب في وشها، حطت رجلها بقوة منعت الباب يتقفل، وظهر وراها جوزها بالمسدس المتصوب على راسي مباشرة.. وفي اللحظة دي، سمعت صوت خربشة وصريخ مكتوم طالع من تحت بلاط أرضية شقتي أنا.. كأن في حد محبوس تحت السيراميك وبيحاول يكسر الأرض ويطلع!!!!

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى