
ملك سكتت شوية، وبعدها قالت:
— يا فندم، أنا شفت شريف وهو بيبعت رسالة قبل ما نمشي. كان كاتب فيها إن الخطة فشلت.
مراد رفع عينه ليها بسرعة.
— إنتِ متأكدة من اللي شفتيه؟
— أيوه. بس ما أعرفش بعتها لمين.
مراد طلع تليفونه واتصل بشخص اسمه اللواء المتقاعد عادل منصور، وهو مستشار أمني كان بيثق فيه من سنين.
أول ما عادل رد، مراد قال له:
— عادل، محتاجك حالًا. ابني تعرض لموقف مؤلم، وعندي شك إن في حد من أقرب الناس ليا متورط.
عادل سأله بجدية:
— إنت فين؟
— مستشفى النور التخصصي.
— ما تتحركش من مكانك. أنا جاي، وهنتصرف بالقانون.
بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج من غرفة الكشف.
مراد جري عليه.
— ابني عامل إيه يا دكتور؟
الدكتور طمنه إن ياسين واعي، وإن عنده آثار تعب وإجهاد محتاجة متابعة، لكن حالته مستقرة حاليًا، وهيفضل تحت الملاحظة لحد ما يتأكدوا إنه مش محتاج تدخل إضافي.
مراد غمض عينه براحة، وكأنه كان حابس نفسه طول الوقت.
— الحمد لله… الحمد لله يا رب.
ملك وقفت بعيد وهي بتسمع الكلام، وفجأة حست بدوخة.
كانت من الصبح ما كلتش غير لقمة صغيرة، وفضلت طول الليل واقفة على رجليها.
مراد لاحظ إنها بتترنح، فسندها من غير ما يقرب منها أكتر من اللازم.
— إنتِ كويسة؟
ملك حاولت تبتسم.
— أيوه يا فندم، بس أنا محتاجة أقعد دقيقة.
جاب لها كرسي، وطلب من الممرضة تجيب لها مية.
بعد ما شربت، مراد قعد قدامها وقال:
— ليه كنتِ في الشغل لحد الوقت ده؟ مش المطعم بيقفل بدري؟
ملك نزلت عينها.
— كان عندنا شغل زيادة، وأنا كنت محتاجة فلوس.
— محتاجة فلوس ليه؟
ملك اترددت، لكنها ما كانتش بتحب تحكي ظروفها لأي حد.
— أمي تعبانة، وعندها ورم، والعلاج غالي. وأنا اللي بصرف عليها وعلى نفسي.
مراد سكت.
— وأبوكي؟
— غاب من خمس سنين. ومن وقتها وأنا بحاول أقف على رجلي.
— وإنتِ كنتِ بتدرسي تمريض؟
ملك ابتسمت بحزن.
— كنت. بس لما أمي تعبت، اضطريت أسيب المعهد وأشتغل.
مراد بص لها طويلًا، وبعدين قال:
— إنتِ مش بس ساعدتي ابني، إنتِ فكرتيني إن لسه فيه ناس بتعمل الصح حتى لو حياتها صعبة.
ملك ردت بهدوء:
— أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل الكلام ده. أنا بس ما قدرتش أمشي وأسيبه.
وقبل ما مراد يرد، دخل اللواء عادل منصور الممر.
كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية، لكنه بيتكلم بدقة وبيلاحظ كل حاجة.
قرب من مراد وقال:
— فهمني من الأول.
مراد حكى له اللي حصل، وبعدها أشار لملك.
— هي اللي لقت ياسين، وهي اللي سمعت منه إن شريف متورط.
عادل بص لملك وقال:
— تقدري تحكي لي كل اللي حصل بالتفصيل؟
ملك حكت له كل حاجة، من لحظة ما لقت ياسين لحد رسالة شريف.
عادل سمع من غير ما يقاطعها، وبعدها قال:
— إحنا مش هنوجه اتهام لحد من غير دليل. بس لازم نتحرك بسرعة، لأن لو فيه حد فعلًا بيحاول يضغط على أستاذ مراد من خلال ابنه، ممكن يحاول يتخلص من أي دليل.
مراد قال بغضب:
— أنا هجيب شريف من قفاه وأخليه يعترف!
عادل رد بحزم:
— لأ. أي تصرف متهور ممكن يضيع الملف، ويخلي اللي وراه يهرب. إحنا هنبلغ الجهات المختصة، وهنجمع الأدلة بطريقة قانونية.
مراد كان واضح إنه بيقاوم غضبه بالعافية، لكنه وافق.
وفي اللحظة دي، باب غرفة ياسين اتفتح، وخرجت الممرضة وقالت إن الولد عايز يشوف أبوه.
مراد دخل بسرعة، وملك فضلت واقفة بره مع عادل.
بعد دقائق، عادل خرج وقال:
— ياسين قال إن فيه راجل تاني كان موجود في المكان القديم، وإنه سمعهم بيتكلموا عن مستندات تخص شركات والده.
ملك افتكرت حاجة فجأة.
— استنى يا فندم!
عادل بص لها.
— في إيه؟
— لما ياسين كان واقع، كان بيحاول يقول لي حاجة عن باباه. وبعدها قال إنهم مستنيينه في البيت. يمكن الموضوع مش مجرد أخذ.
3
جرسونه
روايات_مشيره_محمد
عادل فكر للحظة.
— عندك حق. لازم نعرف إيه المستندات اللي بيتكلم عنها.
مراد خرج من الغرفة بعد ما طمن على ابنه، وقال:
— فيه صفقة كبيرة كنت هوقّعها بكرة الصبح. صفقة بيع جزء من أسهم الشركة لمجموعة استثمارية. شريف هو اللي كان مسؤول عن تجهيز العقود.
عادل سأله:
— هل فيه أي خلافات مالية مؤخرًا؟
مراد سكت شوية، وبعدين قال:
— من حوالي شهرين، اكتشفت إن فيه تحويلات مالية غريبة من حسابات إحدى الشركات التابعة لينا. المبالغ كانت كبيرة، لكن كل مرة كنت أطلب مراجعة الحسابات، شريف يقول لي إن فيه خطأ في النظام وإن الموضوع هيتحل.
عادل ضيق عينه.
— وإنت صدقته؟
مراد رد بمرارة:
— كان معايا من سبع سنين. كنت معتبره أخويا.
ملك قالت بهدوء:
— ساعات يا فندم، أكتر حد بنثق فيه بيكون هو أكتر حد عارف يدخل لنا منين.
مراد بص لها، وما ردش.
كان عارف إن كلامها صح.
الخيط اللي كشف كل حاجة
في صباح اليوم التالي، بدأت المراجعات الرسمية.
الجهات المختصة راجعت كاميرات المدرسة، وظهر فيها إن ياسين خرج مع شريف بعد ما قال للموظفين إنه جاي ياخده بتكليف من والده.
وبمراجعة تسجيلات كاميرات الطرق، قدروا يحددوا العربية اللي نقلته للمكان القديم.
أما شريف، فكان اختفى من الليلة اللي حصلت فيها الواقعة.
تليفونه مقفول، وعربيته متروكة قدام بيته، وجيرانه قالوا إنه ما رجعش.
مراد كان قاعد في مكتبه، قدامه ملفات الشركة، ووشه مليان غضب وندم.
ملك كانت هناك، لأنها راحت تطمن على ياسين قبل ما ترجع للمطعم.
الولد كان اتحسن نسبيًا، والدكتور سمح له يقعد مع أبوه شوية تحت الملاحظة.
مراد قال لملك:
— أنا عارف إنك عندك شغل وظروف، ومش عايز أعطلك، بس ياسين متعلق بيكي وطلب إنك تيجي.
ملك ابتسمت.
— ده حبيبي، وطبيعي أطمن عليه.
دخلت غرفة ياسين، لقته قاعد على السرير، ووشه لسه فيه آثار تعب خفيفة.
أول ما شافها، ابتسم.
— أبلة ملك!
قربت منه وقالت:
— إيه يا بطل؟ عامل إيه النهارده؟
— أحسن. بابا قال لي إنك فضلتي جنبي طول الليل.
ملك قعدت على الكرسي جنبه.
— كنت هسيبك إزاي يا ياسين؟
الولد بص للأرض، وبعدها قال:
— أنا قلقان يا أبلة ملك.
— من إيه يا حبيبي؟
— قلقان شريف يرجع يعاملني بقسوة، أو يعامل بابا بقسوة.
ملك مسكت إيده وقالت:
— بص يا ياسين، اللي عمله غلط، والقانون هيحاسبه. وإنت مش مسؤول عن أي حاجة حصلت. إنت طفل، ومن حقك تعيش بأمان وتروح مدرستك وتلعب وتضحك زي أي طفل.
ياسين دمعت عينه.
— بس أنا سمعتهم وهما بيتكلموا. الراجل التاني قال لشريف إن بابا لو مضاش على العقود، كل حاجة هتبوظ. وشريف قال له إن وجودي هيخلي بابا يوافق على أي حاجة.
ملك حسّت بغصة في قلبها.
— وإنت فاكر شكل الراجل التاني؟
ياسين هز راسه.
— أيوه. كان عنده علامة كبيرة جنب عينه، وكان لابس ساعة فضية.
ملك ما علقتش، لكنها حفظت الوصف.
بعد ما خرجت من غرفة ياسين، قابلت عادل في الممر، وحكت له اللي قاله الولد.
عادل قال:
— الوصف ده ممكن يساعدنا. فيه كاميرات في المكان القديم، ولو التسجيلات موجودة، هنقدر نحدد هويته.
وبالفعل، بعد مراجعة الأدلة، ظهرت صورة الراجل اللي كان مع شريف، واتضح إنه اسمه فؤاد السيوفي، رجل أعمال كان بينه وبين مراد خلاف قديم بسبب صفقة تجارية فشلت من سنين.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الملفات المالية.
المراجعة كشفت إن فيه مبالغ كبيرة خرجت من حسابات شركات مراد على مدار شهور، واتحولت لشركات وسيطة، وبعدها اختفت في حسابات مرتبطة بفؤاد.




