
سحر فضلت واقفة عند باب الأوضة، مش قادرة تتحرك ولا حتى تصرخ.
كانت عينيها متسمرة في الأرض، وبالتحديد عند خط الطباشير اللي رسمته حوالين السرير بالليل.
الخط كان سليم تقريبًا، لكن في ناحية واحدة منه كان فيه جزء ممسوح، وعلى الأرض ظهرت آثار أقدام واضحة، كأن حد كان واقف عند طرف السرير، وبعدها اتحرك ناحية الدولاب.
حطت إيدها على بقها وهمست:
— يا نهار أسود… مين اللي كان هنا؟!
رفعت عينيها ناحية محمود.
كان نايم بنفس الوضع، عينيه مقفولة، وإيديه فوق الغطا، وأنبوبة التغذية متوصلة بيه زي كل يوم.
قربت منه بحذر، وفضلت تبص على وشه.
— محمود… إنت سامعني؟
مفيش رد.
مدت إيدها ولمست رجله، وبعدها بصت على الأرض تاني.
الآثار كانت واضحة، ومش مجرد علامات عشوائية. كان فيه أثر قدمين حافيين، واحدة جنب التانية، وبعدها آثار تانية متجهة ناحية الدولاب.
لكن اللي خوّفها أكتر إنها لاحظت حاجة غريبة.
الخط الممسوح كان في الناحية اللي جنب الدولاب، مش ناحية باب الأوضة.
يعني لو محمود قام فعلًا، فهو ماخرجش من الأوضة، لكنه اتحرك جواها.
سحر رجعت خطوتين لورا، وخرجت بسرعة وقفلت الباب.
جريت على أوضة بنتها وصحّتها.
— جنى… اصحي يا حبيبتي.
البنت فتحت عينيها وهي بتفركهم.
— في إيه يا ماما؟
— إنتِ متأكدة إنك شفتي بابا واقف بالليل؟
جنى اعتدلت في السرير وقالت:
— أيوه يا ماما، هو إنتِ لسه مش مصدقاني؟
سحر مسكت إيديها وقالت:
— لأ يا حبيبتي، أنا مصدقاكي… بس عايزة أسألك سؤال. لما شفتيه، كان واقف فين بالظبط؟
— جنب السرير، وبعدها حسيت إنه لف ناحيتي.
— كان لابس إيه؟
— نفس البيجامة اللي بيلبسها كل يوم.
— طيب كان شايفك؟
جنى سكتت شوية وبعدين قالت:
— مش عارفة… بس أنا حسيت إنه عارف إني واقفة عند الباب.
سحر قلبها اتقبض.
— ليه مقولتيليش إنه بصلك؟
— أنا قولتلك إنه كان واقف، إنتِ اللي قولتي إني بحلم!
سحر حضنت بنتها بقوة، وفضلت ساكتة.
كانت محتاجة تعرف الحقيقة، لكن الحقيقة دي ممكن تقلب حياتها كلها.
رجعت لأوضة محمود، وقررت إنها مش هتسيب الموضوع يعدي.
كانت الممرضة هتيجي النهارده، واسمها نجلاء، وهي اللي بتتابع حالة محمود من أول ما رجع من المستشفى.
سحر قررت تستناها.
الساعة عشرة الصبح، وصلت نجلاء وبدأت تراجع الأجهزة وتطمن على العلامات الحيوية.
سحر فضلت واقفة مستنياها لحد ما خلصت، وبعدها قالتلها:
— نجلاء، أنا عايزة أسألك سؤال، بس عايزاكي تجاوبيني بصراحة.
— خير يا سحر؟ مالك متوترة كده ليه؟
— هو ممكن مريض في حالة محمود يتحرك وهو نايم من غير ما حد يعرف؟
نجلاء بصتلها باستغراب.
— تقصدي إيه؟
سحر أخدتها ناحية الأرض وورتها آثار الأقدام.
نجلاء انحنت وبصت كويس، وبعدها رفعت عينيها ناحية السرير.
— إيه ده؟ مين اللي عمل كده؟
— معرفش. أنا رسمت خط بالطباشير حوالين السرير امبارح، والصبح لقيت الخط ممسوح من الناحية دي.
نجلاء قامت ببطء وقالت:
— إنتِ بتقولي إن محمود قام من السرير؟
— بنتي بتقول إنها شافته واقف بالليل، وأنا كنت فاكرة إنها بتحلم. لكن بعد اللي شوفته، مش عارفة أصدق إيه.
نجلاء قربت من محمود وبدأت تفحصه بحذر.
وبعد شوية قالت:
— سحر، أنا مش هقدر أحكم من آثار على الأرض. لازم دكتور أعصاب يشوفه ويعمل تقييم كامل. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها، إصابات المخ مش كلها واحدة، ومش معنى إن المريض مش بيتكلم أو مش بيتحرك قدامنا إنه بالضرورة مفيش أي إدراك عنده.
سحر مسكت إيديها وقالت:
— يعني ممكن يكون سامعني طول السنين دي؟
— وارد، لكن لازم نعرف حالته بالفحوصات.
سحر دموعها نزلت.
— يعني ممكن يكون كان سامعني وأنا بعيط جنبه؟ وأنا بحكيله عن بنتنا؟ وأنا بترجاه يفتح عينيه؟
نجلاء سكتت، لأنها مكنتش عايزة تديها أمل من غير دليل.
لكن قبل ما تخرج، قالتلها:
— أنا هطلب من الدكتور المتابع لحالته ييجي يشوفه، ومهم جدًا متحاوليش تختبريه أو تحركيه بنفسك.
سحر هزت راسها بالموافقة.
لكن عقلها كان في مكان تاني تمامًا.
كان عندها سؤال واحد مش قادر يسيبها:
لو محمود فعلًا بيقوم من السرير، بيعمل إيه طول الليل؟
في نفس اليوم، سحر فضلت طول الوقت قاعدة في الصالة، وعينيها كل شوية تروح ناحية باب أوضة جوزها.
كانت بتحاول تفتكر آخر تلات سنين، وكل موقف حصل بينهم.
افتكرت إنها كانت ساعات تلاقي الغطا متغير مكانه، فتقول لنفسها يمكن هي اللي نسيته.
وافتكرت إنها كانت بتدخل الصبح تلاقي المخدة متحركة شوية، أو إيد محمود مش في نفس المكان اللي سابتها فيه.
كانت بتفسر كل حاجة إنها نتيجة حركتها وهي بتعتني بيه.
لكن دلوقتي كل التفاصيل دي بقت بتخوفها.
وفجأة سمعت صوت جنى من وراها:
— ماما، هو بابا هيخف؟




