
أول ما الراجل دخل القاعة، مرات أبويا اتغير لون وشها، وفضلت باصة له كأنها شافت شبح قدامها!
الراجل كان في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وشايل شنطة جلد قديمة. أنا معرفوش، لكن مدير المدرسة استقبله باحترام، وطلب منه يقعد في أول صف.
مرات أبويا قربت منه بخطوات سريعة، وقالت بصوت واطي لكنه كان واضح بالنسبة للي واقفين جنبها
إنت وعدتني إن الموضوع ده اتقفل خلاص!
الراجل بص لها بهدوء ورد
أنا وعدتك إني مش هتكلم في حاجة مش من حقي أتكلم فيها. لكن لما عرفت إن فيه طفلين ممكن يكون حقهم ضاع، مبقاش ينفع أسكت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
طفلين؟!
أنا وأخويا!
بصيت لمدير المدرسة وسألته
ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاهمة حاجة!
مدير المدرسة هز راسه وقال
من حقك تعرفي كل حاجة، لكن خلينا نسمع الأستاذ الأول.
الراجل فتح شنطته، وطلع منها ملف كبير، وبعدها بص ناحيتي وقال
أنا اسمي الأستاذ فؤاد، وكنت المحاسب القانوني لوالدك ووالدتك لسنين طويلة. والدك كان موكلني بمتابعة بعض الأمور المالية، ووالدتك كانت واثقة فيا جدًا.
أول ما سمعت الكلام ده، حسيت إن فيه باب قديم في حياتنا بيتفتح من جديد.
سألته بسرعة
حضرتك تعرف حاجة عن فلوس ماما؟
هز راسه وقال
أيوه. والدتك قبل وفاتها كانت حريصة جدًا إن الفلوس اللي جمعتها على مدار السنين تكون مخصصة لمستقبلكم. وكانت محتفظة بسجل واضح بالمبالغ اللي حوشتها، ومعاه جواب مكتوب بخط إيدها.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
نفس الجواب اللي كنت بقرأه كل ما أشتاق لماما!
الراجل كمل كلامه
بعد وفاة والدتك، والدك احتفظ بالأوراق دي، وكان عنده نية إنه يرتب حساباتكم القانونية لما تكبروا شوية. لكن بعد جوازه التاني، حصلت تغييرات في إدارة بعض الحسابات، وبدأت تظهر اختلافات محتاجة مراجعة.
مرات أبويا قاطعته بعصبية
الكلام ده ملوش أي معنى! كل الفلوس اللي كانت في البيت بقت من حقنا، وأنا مرات الراجل، وليا حقوق قانونية!
الأستاذ فؤاد بص لها وقال
أنا مش هنا عشان أحكم على حقوقك. أنا هنا عشان أوضح إن فيه أموال كانت مخصصة للأطفال، ولازم نعرف مصيرها بناءً على المستندات والقانون.
وبعدين طلع ورقة من الملف، وحطها قدام مدير المدرسة.
مدير المدرسة قرأها بتركيز، وبعدها رفع عينيه وقال
يعني حضرتك بتأكد إن المبلغ اللي والدة البنت كانت محوشاه مش مجرد كلام اتقال بعد وفاتها؟
الأستاذ فؤاد رد بثقة
بالضبط. عندي مستندات قديمة بتثبت وجود المبلغ والغرض اللي كانت والدتهم مخصصة له. لكن تحديد مين له حق فيه دلوقتي، وإزاي يرجع لو اتصرف فيه بشكل غير قانوني، دي مسألة لازم تتحسم من خلال الجهات المختصة.
في اللحظة دي، حسيت لأول مرة من شهور إن فيه حد ممكن يسمعنا بجد.
لكن مرات أبويا كانت لسه بتحاول تسيطر على الموقف.
قالت بصوت عالي
حتى لو الفلوس دي كانت موجودة، أنا مالي؟ أنا مصروف البيت كله كان عليّا، وكنت بصرف عليهم! وبعدين البنت دي جاية تتهمني قدام الناس من غير دليل!
أنا كنت هرد عليها، لكن أخويا سبقني.
اتقدم خطوة، وبص لها مباشرة، وقال
إنتِ اللي قولتي لأختي إن الفلوس بقت بتاعة البيت، وإنك إنتِ اللي بتقرري هتتصرف إزاي. وإنتِ كمان اللي رفضتي تديها حتى جزء صغير عشان فستان التخرج.
مرات أبويا بصت له بغضب
إنت لسه عيل صغير، متدخلش نفسك في حاجات أكبر منك!
أخويا رد عليها، وصوته كان بيترعش، لكنه كمل كلامه
أنا صغير، آه. بس أنا فاكر ماما وهي بتقعد بالساعات تحسب الفلوس اللي بتحوشها، وفاكر إنها كانت بتقول إن الفلوس دي عشان مستقبلنا. وإنتِ خليتي أختي تعيط لوحدها في أوضتها عشان كانت عايزة تفرح بيوم تخرجها!
القاعة سكتت تمامًا.
حتى مدير المدرسة ملاقاش كلام يقوله للحظة.
أنا بصيت لأخويا، وافتكرت الليالي الأربعتاشر اللي قضاهم في المطبخ، وهو بيحاول يحوّل هدوم ماما لفستان.
وفهمت إن الفستان ده مكنش مجرد هدية.
كان طريقته في إنه يقول لي إن لسه عندنا بعض، وإن محدش يقدر ياخد مننا ذكرياتنا مهما حصل.
لكن الأستاذ فؤاد رفع إيده فجأة، وقال
استنوا لحظة. لسه فيه حاجة مهمة لازم تتقال.
فتح الملف مرة تانية، وطلع صورة قديمة لوالدتي، كانت قاعدة على مكتبها، وقدامها دفتر حسابات صغير.
أول ما شفت الصورة، شهقت.
ده كان دفتر ماما!
الدفتر اللي كنت فاكرة إنه اختفى مع باقي حاجاتها بعد ما مرات أبويا رتبت البيت!
سألته بلهفة
حضرتك جبت الدفتر ده منين؟!
بص لي وقال
الدفتر الأصلي موجود في مكان آمن، والصورة دي جزء من المستندات اللي احتفظنا بيها. لكن فيه صفحة تحديدًا، والدتك كانت كاتبة فيها تعليمات مهمة جدًا.
وبعدين سكت لحظة، وبص لمرات أبويا.
والصفحة دي فيها تفصيلة ممكن تفسر ليه بعض الأوراق اختفت بعد وفاة والدك.
مرات أبويا قامت من مكانها فجأة، وشدت شنطتها على كتفها.
وقالت بعصبية
أنا مش هفضل قاعدة أسمع اتهامات سخيفة! أنا ماشية.
لكن مدير المدرسة طلب منها تستنى لحد ما يخلصوا الكلام، والأستاذ فؤاد قال بهدوء
محدش بيتهمك بحاجة في اللحظة دي. إحنا بس بنحاول نوصل للحقيقة.
مرات أبويا وقفت مكانها، لكنها فضلت تبص ناحية الباب.
الأستاذ فؤاد طلع صورة الصفحة من الملف، وبدأ يقرا المكتوب فيها بصوت مسموع.
كان فيه رقم حساب، وتاريخ قديم، وبعدهم سطر بخط إيد ماما.
ولما وصل للسطر الأخير، وقف عن القراءة فجأة.
بص لي، وبعدين بص لأخويا، وقال
والدتكم كانت عاملة حسابها على احتمال إن الظروف تتغير، وعشان كده كتبت تعليمات واضحة بخصوص الفلوس دي.
قربت منه وسألته
تعليمات إيه يا أستاذ؟ ماما كانت عارفة إن ممكن يحصل لنا حاجة؟
رد عليّا
هي كانت عايزة تضمن إن حقكم يفضل محفوظ، حتى لو هي مش موجودة عشان تدافع عنكم.
وبعدين أشار للورقة وقال
لكن فيه اسم مكتوب هنا، هو اللي هنحتاج نرجع له عشان نعرف إيه اللي حصل للمبلغ بعد وفاة والدك.
مدير المدرسة قرأ الاسم، ورفع عينيه بصدمة.
لأن الاسم ده…
كان اسم شخص من عيلة مرات أبويا نفسها!
ومرات أبويا، أول ما سمعت الاسم، همست بكلمة واحدة خلت الأستاذ فؤاد يقفل الملف فورًا
مستحيل… هو كان قال لي إنه مش هيتكلم أبدًا!
يتبع…
مرات أبويا أول ما قالت الجملة دي، حاولت تصلّح كلامها بسرعة، وقالت وهي بتبص للناس اللي حواليها
أنا قصدي إني مش فاهمة إنتوا بتتكلموا عن مين! إنتوا بتعملوا من الموضوع حكاية كبيرة ليه؟
لكن الأستاذ فؤاد كان سمعها كويس، ومدير المدرسة كمان لاحظ ارتباكها.
الأستاذ فؤاد قفل الملف، وقال بهدوء
أنا لسه مقولتش اسم الشخص بصوت عالي، ولا قلت إنه قالك أي حاجة. إنتِ عرفتي منين إنه مش هيتكلم؟
مرات أبويا فتحت بقها عشان ترد، لكن مفيش أي كلمة طلعت منها.
أما أنا، فكنت واقفة جنب أخويا، حاسة إن الحقيقة قربت تظهر، لكن في نفس الوقت خايفة من اللي ممكن نكتشفه.
بعد لحظات، الأستاذ فؤاد قرر يوضح الموضوع.
قال إن الشخص اللي اسمه موجود في الأوراق هو ابن خال مرات أبويا، واسمه سامح، وكان شغال في مكتب خدمات مالية بيتعامل مع بعض حسابات العيلة.
قبل وفاة أبويا بشهور، سامح كان اتواصل مع الأستاذ فؤاد عشان يستفسر عن مستندات قديمة تخص حسابات العيلة. وقتها ظهرت أسئلة عن المبلغ اللي ماما كانت محوشاه لينا، لكن مفيش معلومات كفاية تسمح لأي حد يجزم إن الفلوس اتصرفت إزاي أو مين المسؤول عن ده.
الأستاذ فؤاد أكد إنه مش هيقدر يتهم حد من غير دليل، لكنه احتفظ بنسخ من المستندات عشان لو احتاجوا يراجعوا الموضوع رسميًا.
مرات أبويا ردت بعصبية
وسامح ماله بالموضوع؟ ده ابن خالي، وميقدرش يعمل حاجة من غير ما أعرف!
الأستاذ فؤاد بص لها باستغراب وقال
أنا لسه مقولتش إنه عمل حاجة أصلًا.
القاعة بدأت تتهامس من جديد.
أما أنا، فكنت بفكر في حاجة واحدة لو ماما كانت سايبة فلوس لينا فعلًا، إزاي اختفت بالشكل ده؟ وليه مرات أبويا كانت مصممة إننا منسألش عنها؟
مدير المدرسة طلب من الناس يرجعوا لأماكنهم، وقال إن الحفلة مش هتتحول لمحاكمة، وإن أي خلاف مالي لازم يتراجع بعيد عن القاعة وبالطرق القانونية.
وبعدين بص ناحيتي وقال
لكن قبل ما نرجع للحفلة، فيه حاجة تانية تخص أخوكي، ولازم تعرفيها.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
ابتسم ابتسامة بسيطة، وكمل
إحنا مش هنخلي اللي حصل النهارده يضيع وسط الخلاف ده. أخوكي قدّم تصميم الفستان للجنة المسابقة السنوية للمواهب الطلابية، ونتيجة التقييم وصلت المدرسة من يومين.
أخويا شهق وقال
حضرتك بتتكلم بجد؟ أنا كنت فاكر إنكم لسه بتقيّموا التصميم!
مدير المدرسة هز راسه، وطلع ظرف أبيض من الملف اللي معاه.
أنا بصيت لأخويا، ولقيته بدأ يتوتر أكتر من الأول.
قال مدير المدرسة
التصميم بتاعك اتقبل في المرحلة النهائية، واللجنة اختارتك ضمن مجموعة صغيرة من الطلاب اللي هيعرضوا شغلهم في معرض تصميمات على مستوى المنطقة.
أخويا فضل ساكت، كأنه مش قادر يستوعب الكلام.




