
وبعدين سأله
يعني أنا ممكن أتعلم تصميم ملابس بجد؟ مش مجرد مادة في المدرسة؟
مدير المدرسة رد
طبعًا. وفيه كمان فرصة إنك تدخل برنامج تدريبي للطلاب الموهوبين، بشرط إنك تكمل دراستك وتلتزم بشروط البرنامج.
أخويا بص لي، ولأول مرة من ساعة ما دخلنا القاعة، شفت ابتسامة حقيقية على وشه.
لكن مرات أبويا كان واضح إنها مش مبسوطة باللي بيحصل.
قالت بسخرية
يعني كل ده عشان فستان معمول من بناطيل قديمة؟!
مدير المدرسة رد عليها بهدوء
أيوه، لأن قيمة الشغل مش في تمن الخامة، لكن في الفكرة والمجهود والموهبة اللي وراها.
وبعدين أشار للفستان اللي كنت لابساه، وطلب مني أقف في مكان فيه إضاءة أحسن عشان أعضاء اللجنة اللي حضروا الحفلة يقدروا يشوفوا تفاصيله.
واحد من المصممين اللي كانوا موجودين قرب، وبدأ يفحص الغرز وطريقة تركيب قطع الجينز، وقال إنه لاحظ إن أخويا استخدم أجزاء من الجيوب والخياطات الأصلية في التصميم بدل ما يتخلص منها.
وبعدها قال لأخويا
مين علّمك تعمل التشطيب بالطريقة دي؟
أخويا رد بخجل
اتفرجت على فيديوهات كتير، وجربت بنفسي. وماما كانت عندها ماكينة قديمة،
3
مرات ابويا
فحاولت أتعلم أستخدمها.
المصمم ابتسم وقال
واضح إنك تعبت جدًا في الشغل ده. متوقفش، لأن عندك حاجة تستاهل تتطور.
أنا وقتها مقدرتش أتمالك نفسي، وقلت لأخويا قدام الناس
إنت عملتلي أجمل فستان في الدنيا، حتى لو محدش تاني شايف كده.
أخويا ابتسم، لكن عينيه لمعت بالدموع.
قال لي
أنا كنت خايف يطلع مش حلو، وكنت خايف تزعلي مني لو منفعش.
رديت عليه
إنت عمرك ما هتزعلني عشان حاولت تفرحني.
للحظة، نسينا كل اللي حصل، وافتكرت ماما وهي قاعدة على ماكينة الخياطة، بتصلح هدومنا القديمة، وتقول لنا إن الحاجة اللي بنحبها مش لازم تكون جديدة عشان تبقى غالية علينا.
لكن اللحظة دي انتهت لما الأستاذ فؤاد قرب مني تاني.
قال لي إنه محتاج يقابلني أنا وأخويا في يوم تاني، بحضور شخص بالغ موثوق، عشان يشرح لنا المستندات المتعلقة بحساب ماما، ويقول لنا إيه الخطوات القانونية اللي ممكن ناخدها لمعرفة مصير الفلوس.
سألته
يعني فيه أمل إن فلوس ماما ترجع؟
رد بصراحة
فيه أمل نعرف الحقيقة، لكن مش هقدر أوعدك بالنتيجة قبل ما المستندات تتراجع بالكامل.
وافقت، وأنا حاسة إن على الأقل فيه حد أخيرًا بيتعامل مع الموضوع بجدية.
أما مرات أبويا، ففضلت قاعدة بعيد، لا بتبص لنا ولا بتتكلم مع حد.
ولما الحفلة خلصت، خرجنا أنا وأخويا من القاعة، وأنا لسه لابسة فستان ماما.
كنا فاكرين إن أصعب حاجة عدت، لكن وإحنا بنستنى العربية اللي هترجعنا البيت، موبايل الأستاذ فؤاد رن.
رد على المكالمة، وسمعناه بيقول
أيوه يا سامح، أنا في انتظار المستند اللي قولتلي عليه.
سكت شوية، وبعدها ملامحه اتغيرت.
قال
إنت متأكد إنك لقيت النسخة الأصلية؟
وبعدين بص ناحيتي وقال
لا، متبعتش أي حاجة على الموبايل. احتفظ بيها زي ما هي، وإحنا هنتقابل بكرة.
قفل المكالمة، وفضل ساكت ثواني.
سألته بقلق
هو سامح لقى إيه يا أستاذ؟
بص لي وقال
لقَى ورقة قديمة مرتبطة بالحساب اللي والدتك كانت بتحوش فيه فلوسكم. والورقة دي ممكن تساعدنا نفهم ليه المبلغ اختفى من السجلات اللي عندنا.
حسيت إن قلبي رجع يدق بسرعة.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، موبايله رن مرة تانية.
المرة دي، كان المتصل سامح نفسه.
الأستاذ فؤاد رد، وحط المكالمة على السماعة الخارجية بعد ما سامح وافق يتكلم قدامنا.
سمعنا صوته متوتر وهو بيقول
أستاذ فؤاد، أنا لازم أقولك حاجة قبل ما نتقابل بكرة… لأن فيه تفصيلة في الورقة دي محدش كان يعرفها غيري وغير مرات أبو البنت.
وبعدين سكت لحظة، وقال
المبلغ متسجل باسم شخص تاني، لكن التوقيع اللي على طلب تحويله مش توقيعي… وأنا عندي نسخة من الورقة اللي بتوضح مين اللي مضى بدلًا مني!
بصيت لأخويا، وهو مسك إيدي بقوة.
لأننا فهمنا إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس اختفت.
لكن مين اللي وقّع على طلب التحويل؟ وهل الورقة الأصلية هتثبت إن مرات أبويا كانت عارفة اللي حصل، ولا الحقيقة هتطلع مختلفة تمامًا عن كل اللي تخيلناه؟
يتبع…
طول الليل مغمضتش عيني!
كل ما أحاول أنام، أفتكر كلام سامح عن الورقة والتوقيع، وأرجع أسأل نفسي هو إيه اللي حصل لفلوس ماما بالظبط؟ وليه مرات أبويا كانت بتتصرف بثقة كأنها ضامنة إن محدش هيقدر يحاسبها؟
أخويا كمان مكنش عارف ينام. كان قاعد على سريره، والفستان متعلّق قدامه على شماعة، وكل شوية يبص له وكأنه بيفتكر ماما.
قلتله إنت ندمان إنك عملت الفستان؟
بصلي باستغراب وقال أندم ليه؟
قلتله عشان اللي حصل في الحفلة، وعشان مرات أبويا ممكن تزعل منك أكتر.
هز راسه وقال أنا عملته عشانك، وعشان ماما. ولو رجع بيا الزمن، هعمله تاني.
الكلام ده خلاني أسكت، وحسيت إن أخويا الصغير اللي كنت فاكرة إني لازم أحميه طول الوقت، بقى هو اللي بيديني القوة.
تاني يوم، الساعة عشرة الصبح، الأستاذ فؤاد اتصل بينا، واتفقنا نقابله في مكتبه، وكان معانا خال ماما، لأنه أكتر شخص من العيلة كنا بنثق فيه.
أول ما دخلنا، لقينا سامح قاعد قدام المكتب، وحاطط ملف بني على الترابيزة.
كان باين عليه القلق، لكنه أول ما شافنا وقف وقال
أنا عارف إنكم اتظلمتوا، ومش عايز أفضل ساكت أكتر من كده.
قعدنا، والأستاذ فؤاد طلب منه يحكي كل حاجة من البداية.
سامح بدأ كلامه وقال إنه قبل وفاة أبويا بفترة، مرات أبويا كلمته وطلبت منه يساعدها في مراجعة بعض الأوراق المالية الخاصة بالعيلة.
في البداية، اعتبر الموضوع عادي، خصوصًا إنها كانت متجوزة أبويا، وكان فيه حسابات ومصاريف محتاجة تنظيم.
لكن بعد وفاة أبويا، حصلت مشكلة.
سامح قال إن مرات أبويا سألته عن الحساب اللي ماما كانت محوشة فيه فلوسنا، وطلبت منه يعرف لها الإجراءات المطلوبة للتصرف في المبلغ.
هو رفض يعمل أي تحويل، وقال لها إن لازم الأول يتأكد من صاحب الحق في الفلوس، وإن وجود المبلغ في حساب مرتبط بالعيلة مش معناه إنه ملك لأي شخص يقدر يسحبه.
مرات أبويا، حسب كلامه، ردت عليه إنها هتتصرف بمعرفتها، وإن الموضوع مش محتاج تدخله.
بعدها بشهور، اكتشف سامح إن فيه طلب تحويل اتسجل في الأوراق، وظهر فيه اسمه باعتباره الشخص اللي راجع العملية.
لكنه أكد إنه عمره ما وقّع على الطلب ده!
الأستاذ فؤاد فتح الملف البني، وطلع صورة من المستند.
كان فيه تاريخ التحويل، ورقم الحساب، وخانة التوقيع.
بصيت للورقة، لكن طبعًا مقدرتش أفهم كل التفاصيل المالية المكتوبة فيها.
سألت الأستاذ فؤاد يعني كده نقدر نثبت إن الفلوس اتاخدت من غير حق؟
رد بحذر المستند ده دليل مهم محتاجين نتحقق من صحته ونراجعه مع السجلات الأصلية. لو ثبت إن فيه توقيع مزوّر أو تحويل تم من غير موافقة قانونية صحيحة، ساعتها ممكن نتحرك رسميًا.
سامح طلع ورقة تانية، وقال إنه احتفظ بيها لأنه لاحظ اختلافًا بين التوقيع الموجود عليها وتوقيعه الحقيقي.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة اللي بعدها.
كان فيه اسم شخص تالت، مش اسم مرات أبويا، ومش اسم سامح!
اسم موظف كان مسؤول عن مراجعة بعض الإجراءات وقتها.
الأستاذ فؤاد طلب من سامح يوضح إذا كان الموظف ده عنده صلاحية اعتماد التحويل، وسامح قال إنه مش متأكد، وإن لازم يراجعوا السجلات الرسمية قبل ما يوجّهوا أي اتهام.
في اللحظة دي، بدأت أفهم إن الحقيقة مش هتظهر بمجرد إن حد يعترف أو ينكر.
كان لازم نعرف مين صاحب القرار، ومين نفّذ التحويل، وهل فيه مستندات تانية بتوضح مصير الفلوس.
لكن خال ماما، اللي كان ساكت طول الوقت، اتكلم فجأة.
قال أنا فاكر إن أختي قبل ما تموت قالتلي إنها مش عايزة الفلوس دي تتصرف في أي حاجة غير مستقبل ولادها. وكانت خايفة إن بعد وفاتها محدش يحافظ على حقهم.
وبعدين بص لي وقال بس فيه حاجة أنا مكنتش حكيتها لكم قبل كده، لأني مكنتش متأكد إنها مهمة.
كلنا بصينا له.
طلع من محفظته صورة قديمة لماما، وكانت واقفة جنب أبويا قدام مكتب محاماة.




