روايات وقصص

مرات أبويا

وقال قبل وفاة أختي بفترة، هي وأبوكم راحوا للمكتب ده عشان يسألوا عن طريقة تأمين الفلوس ليكم. وأنا فاكر إنهم كانوا بيتكلموا عن مستند قانوني يحدد الغرض من المبلغ.

الأستاذ فؤاد أخد الصورة وبص للتاريخ المكتوب على ظهرها.

وفجأة، فتح درج مكتبه وطلع دفتر قديم.

قال استنوا… أنا فاكر الملف ده! كان فيه مستند متعلق بالموضوع، لكن مش فاكر إذا كان موجود في الأرشيف عندي ولا اتنقل لمكتب تاني.

بدأ يراجع الدفاتر، ورقة ورا ورقة.

بعد حوالي عشر دقايق، وقف عند صفحة معينة، وملامحه اتغيرت.

قال لقيت رقم الملف.

وبعدين رفع عينيه لينا وقال

لو المستند الأصلي لسه محفوظ، ممكن يوضح إذا كانت والدتكم عملت ترتيب قانوني لحماية المبلغ، وإيه حقوقكم الفعلية فيه.

أنا حسيت إن فيه أمل جديد ظهر قدامنا.

لكن قبل ما الأستاذ فؤاد يكمل، موبايله رن.

بص للشاشة، ورد على المكالمة.

سمعناه بيقول أيوه، أنا الأستاذ فؤاد… إنت بتقول إيه؟ الملف اتنقل من الأرشيف من إمتى؟

سكت شوية، وبعدها سأل

ومين اللي طلب الاطلاع عليه؟

وشه بقى جاد جدًا، وبدأ يكتب معلومات في ورقة قدامه.

ولما قفل المكالمة، خال ماما سأله بسرعة فيه إيه؟

الأستاذ فؤاد حط الموبايل على المكتب، وقال

المكتب اللي كان محتفظ بالمستندات أكد إن الملف موجود، لكن فيه شخص طلب نسخة منه قبل شهور، ووقّع على سجل الاطلاع.

قلبي اتقبض.

سألته مين الشخص ده؟

فتح دفتره، وراجع الاسم اللي كتبه أثناء المكالمة.

وبعدين قال ببطء

الشخص اللي طلب نسخة من ملف والدتك… كان والدك نفسه، قبل وفاته بأسابيع قليلة.

بصيت لأخويا، ومقدرتش أتكلم.

ليه أبويا طلب الملف قبل ما يموت؟

هل كان اكتشف إن فيه مشكلة في الفلوس؟ وهل كان بيحاول يصلّح حاجة قبل ما يفوت الأوان؟

الأستاذ فؤاد قفل الملف وقال إننا لازم نعرف سبب طلب أبويا للمستند، وإنه هيتواصل مع المكتب عشان يحصل على نسخة رسمية من سجل الاطلاع، ويتأكد من المستندات المرتبطة بيه.

لكن وإحنا خارجين من المكتب، خال ماما وقف فجأة وقال

استنوا… أنا افتكرت حاجة!

بص لنا بجدية، وقال

قبل وفاة أبوكم بأسبوع تقريبًا، اتصل بيا وطلب مني أقابله لوحدنا. كان عايز يقولي حاجة عن مستقبل الولاد، لكنه غيّر رأيه في آخر لحظة وقال إن فيه موضوع لازم يحله بنفسه الأول.

وبعدين سكت لحظة وأضاف

وأنا يومها لاحظت إنه كان قلقان جدًا، ولما سألته مالك، قاللي جملة واحدة عمري ما نسيتها…

قربنا منه، فقال

قاللي لو حصل لي حاجة، لازم أتأكد إن الولاد مش هيدفعوا تمن غلط أنا سكتّ عليه كتير.

مين كان أبويا بيحاول يحميّنا منه؟ وإيه الغلط اللي كان ساكت عليه؟ وهل كان اكتشف الحقيقة قبل وفاته فعلًا؟

يتبع…

رجعنا البيت وإحنا مش قادرين نستوعب كلام خال ماما!

أبويا كان عارف إن فيه مشكلة، وكان بيحاول يحلها قبل ما يموت؟ طب ليه مسابش لينا أي رسالة؟ وليه خال ماما مخبّاش علينا الكلام ده من الأول؟

طول الطريق، أخويا كان ساكت، لحد ما وصلنا البيت وطلعنا أوضتنا.

قفل الباب وبصلي وقال

إنتِ فاكرة إن بابا كان عارف إن مرات أبويا بتاخد فلوس ماما؟

السؤال وجعني، لأني كنت بحب أبويا، ومش عايزة أصدق إنه كان عارف إن حقنا بيضيع وسابنا نواجه كل ده لوحدنا.

قلتله مش عارفة يا حبيبي. بس لازم نعرف الحقيقة، حتى لو كانت صعبة.

أخويا بص لفستان ماما المعلّق على الدولاب، وقال أنا مش عايز فلوس ولا أي حاجة تانية. أنا بس عايز أعرف ليه كنا بنعيش في البيت ده وإحنا حاسين إننا ضيوف!

مكنتش عارفة أرد عليه.

بعد ساعتين، الأستاذ فؤاد اتصل بخال ماما، وطلب منه يروح مكتبه تاني يوم، لأن مكتب المحاماة القديم وافق يسلّمهم نسخة رسمية من المستندات، بعد استكمال الإجراءات المطلوبة.

تاني يوم الصبح، خال ماما راح لوحده، ووعدنا إنه هيحكيلنا كل حاجة أول ما يرجع.

لكن الساعة اتنين الضهر، موبايله رن عندنا.

كان صوته متوتر جدًا.

قال أنا محتاج أشوفكم حالًا. فيه حاجة لازم تعرفوها، بس مش عايزكم تحكموا على أبوكم قبل ما تسمعوا كل التفاصيل.

حسيت إن قلبي وقع في رجلي.

بعد ساعة، وصل خال ماما،

4

مرات ابويا

وقعد معانا في الصالة. طلع من شنطته ظرف كبير، وحطه على الترابيزة.

وقال

المستندات أكدت إن والدتك كانت فعلًا بتجمع فلوس مخصوص لمستقبلكم، وإن فيه ترتيبات مالية اتعملت عشان المبلغ يفضل مخصص ليكم. لكن لازم محامي يراجع كل ورقة عشان نحدد الحقوق القانونية بالتفصيل.

سألته بسرعة وطب بابا؟ عرف إيه قبل ما يموت؟

خال ماما فتح الظرف وطلع خطاب بخط إيد أبويا.

أول ما شفت خطه، دموعي نزلت.

كنت مفتقدة كلامه، حتى لو مجرد كلمات على ورقة.

الخطاب كان مكتوب قبل وفاته بحوالي شهر، وموجّه للأستاذ فؤاد.

قرأ خال ماما أول جزء بصوت مسموع

أنا بدأت أراجع حسابات البيت، واكتشفت اختلافات مش قادر أفهم سببها. مش عايز أتهم حد ظلم، لكن مش هسمح إن ولادي يخسروا حقهم بسبب إهمالي.

سكت خال ماما، وأنا حطيت إيدي على بقي.

أبويا كان فعلًا بيحاول يعرف الحقيقة!

كمل القراءة

أنا طلبت مراجعة المستندات، ولما أعرف التفاصيل، هرتب كل حاجة بشكل قانوني يحمي مستقبل ولادي. لو كنت اتأخرت في الاهتمام بالموضوع، فده خطأ مني، وأنا مسؤول إني أصلحه.

أخويا كان بيعيط في صمت.

قال يعني بابا مكنش ناسي ماما ولا ناسي فلوسنا؟

وبعدين قلب الورقة، فلقينا جملة مكتوبة في آخر الصفحة، بخط أصغر من باقي الكلام

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى